تخَيَّل أنَّ البقعة التي ظلّت البشرية تبحث عنها منذ آلاف السنين، البقعة التي غرقَت في المحيطات وباتت عنوانًا للغموض والأساطير، ليست مجرد جزيرة مفقودة… بل أصل الحكاية الإنسانية كلّها. الفكرة هنا تقول إنّ أتلانتيس لم تكن مدينة متطوّرة فحسب، بل كانت الأرض التي عاش عليها الأنبياء الأوائل من آدم إلى نوح، وأنها هي نفسها “جنة الأرض” التي تحدّثت عنها الكتب القديمة.

إيه نعم… الفكرة جامدة ومجنونة نوعًا ما، لكنّ دلائلها—عند أصحاب هذا الرأي—تبدو مترابطة بشكل يثير الفضول، بل يجعل القارئ يقول: “لحظة… ممكن فعلاً؟”.


جنّة بين الأنهار الأربعة

تظهر النصوص القديمة—في أكثر من حضارة—حديثًا عن أرض خصبة تتقاطع فيها أربعة أنهار عظيمة. وتظهر أيضًا إشارات إلى شجرة عظيمة تتوسّط تلك الأرض. في التصوّر الديني، هذه كانت جنة آدم التي عاش فيها هو وأبناؤه قبل أن تنتشر ذريتهم في الأرض. لكن أصحاب الرأي “الأتلانتيسي” يذهبون لأبعد من هذا:
يقولون إنَّ تلك الأنهار الأربعة ليست رمزيّة ولا أسطورية، بل كانت أنهارًا حقيقية تجري في أرضٍ تقع عند البحر المتوسط، قبل أن تبتلعها كارثة مائية ضخمة وتتحول المنطقة إلى قاع بحر كما نعرفه اليوم.

الفكرة تستند إلى أن جغرافيا البحر المتوسط لم تكن كما هي الآن؛ بل إن المنطقة كانت—بحسب بعض فرضيات الجيولوجيين—أخفض بكثير، ثم غمرتها مياه المحيط عبر فجوة جبّارة أدّت إلى تشكُّل البحر المتوسّط بشكله الحالي. والنتيجة؟ حضارات كاملة غُمرت قبل أن تكتب أسماءها على لوح التاريخ.


أرض الأنبياء الأوائل… هل كانت في قلب المتوسط؟

التقليد الديني يخبر بأن آدم وأبناءه عاشوا في “أرض واسعة” قبل أن تتفرّق الشعوب. هذه الأرض—وفقًا لبناة هذا الرأي—لم تكن في أقاصي الشرق ولا في الجنوب، بل في الهلال المتوسطي، حيث المناخ المثالي والخصوبة، وحيث تتقاطع الأنهار، وحيث ازدهرت أولى الحضارات البشرية.

ويضيفون أنّ التوراة والكتب القديمة—رغم التحريفات والترجمات المتباعدة—تحمل إشارات مبطّنة إلى أرض خصبة جنوب الأناضول وشمال الجزيرة العربية تتصل بالمتوسّط، وهي المنطقة نفسها التي يقول علماء جيولوجيا إنها كانت يابسة مترامية قبل أن تغرق في “فيضان زانكل” الشهير الذي فتح بوابة جبل طارق وملأ حوض المتوسط بمياه المحيط.

إذا صحّ هذا الربط، فمعنى ذلك أنّ أتلانتيس لم تغرق يومًا في المحيط الأطلسي كما تخيّل الكثيرون، بل غرقت هنا… قريبًا من كلّ الحضارات التي نعرفها. وأنها كانت مسرح قصة البشرية الأولى.


لماذا ارتبطت أتلانتيس بالأنبياء؟

يرتكز هذا الرأي على عدة نقاط:

1. ضخامـة البشر الأوائل
تروي العديد من الثقافات قصصًا عن بشرٍ “عمالقة”. هذا يتوافق مع سرديات دينية قديمة تتحدث عن طول البشر قبل نوح، وعن تغيّر أحوال الخلق بعد ذلك. ويرى أصحاب هذا الرأي أن وجود عمالقة وحيوانات ضخمة كان طبيعيًا في بيئة “ما قبل الطوفان”، وهي ذات البيئة التي يعتقدون أنها كانت أتلانتيس.

2. وجود حضارة متقدمة قبل الطوفان
الأدبيات القديمة تتحدث عن بشر لهم علوم ومعارف متقدمة. ورغم أنّ هذه القصص غالبًا ما تُصنَّف كأساطير، يزعم هذا الاتجاه أنّها ليست خيالًا كاملًا، بل انعكاس باهت لحقيقة حضارة قديمة طُمست آثارها تحت المتوسّط.

3. ترابط الأساطير بين الحضارات
قصص أتلانتيس، وقصص الطوفان، وقصص الجنان الأرضية، وقصص المخلوقات العجيبة… كلّها تظهر في حضارات اليونان، وبلاد الرافدين، ومصر، وشبه الجزيرة العربية.
هذا التكرار لا يبدو مصادفة، بل قد يكون—بحسب هذا الرأي—بقايا ذاكرة جماعية لشعوب نجت من كارثة واحدة.


الطوفان… نقطة النهاية

إذا كانت أتلانتيس هي أرض آدم وذريته، فواحدة من أكبر الكوارث التي أصابتها كانت طوفان الأزمنة القديمة. الطوفان—الذي تتحدث عنه تقريبًا جميع الأمم—قد يكون دمّر تلك الحضارة تمامًا، ودفع الشعوب إلى الهجرة في كل الاتجاهات، وترك وراءه بحرًا جديدًا يغلي فوق مدينة كاملة.

وهكذا، تصبح القصة منطقية:
أرض هائلة مليئة بالأنهار والحياة → حضارة بشرية أولى → طوفان عظيم → غرق الأرض → اختفاء الآثار → بقاء الذكرى في صورة “أسطورة”.


هل هي حقيقة أم أسطورة صامدة؟

حتى اليوم، لم يقدّم أحد دليلًا قاطعًا يثبت وجود أتلانتيس، ولا أحد أيضاً أثبت أنها محض خيال. ومع أن العلماء يغوصون في أعماق المتوسط دون أن يجدوا “المدينة الضائعة”، إلا أنّ هذا لا يعني أنها لم تكن موجودة، فكم من أماكن ظنّ البشر أنها أسطورة قبل أن تخرج إلى النور من تحت الرمال.

الرأي الذي يجعل أتلانتيس “أرض الأنبياء الأوائل” يظل رأيًا مذهلًا، يجمع بين الجغرافيا القديمة والتراث والأساطير. قد يكون صحيحًا، وقد يكون مجرد سردية جميلة… لكنه بالتأكيد يفتح باب الخيال على أوسع مدى، ويذكّرنا بأن تاريخ البشرية أكبر بكثير مما تعلّمناه.

اقرأ أيضا: ألغار حضارة المايا: أسرار حضارة سبقت عصرها بقرون