يظلّ التخاطر العقلي إحدى الظواهر التي تشعل الفضول، إذ يتساءل الكثيرون كيف يمكن لعقلين أن يتبادلا المشاعر أو الأفكار دون أي كلمة. ومع أنّ العلم يحاول تفسير الظاهرة بطرق واقعية، إلا أنّ القصص والتجارب الشخصية تجعل الموضوع أكثر إثارة. ولذلك، يأتي الحديث عن التخاطر كأنه جولة بين الغموض والعلم، وبين الواقع والخيال، في رحلة تتقاطع فيها الأسئلة مع الاحتمالات بشكل يرفع من نبض الحماسة.
ما هو التخاطر العقلي؟ ولماذا يثير كل هذا الجدل؟
يُعرَّف التخاطر بأنه انتقال فكرة أو إحساس بين شخصين دون وسيط مادي. ومع أنّ هذا التعريف يبدو بسيطًا، إلا أنّه يفتح بابًا واسعًا للنقاش. وبما أنّ القصص كثيرة حول أشخاص شعروا بما يجري مع أحبابهم رغم المسافة، فقد صار الموضوع يزداد انتشارًا وفضولًا عبر الأجيال، خصوصًا مع انتشار ظواهر الطاقة والتنمية الذاتية.
ومن الواضح أنّ ما يجعل التخاطر غامضًا هو أنّه يحدث —وفق الدعاوى— خارج القواعد المألوفة. ولذلك، تتزايد الأسئلة حول ما إذا كان التخاطر آلية داخل العقل البشري أم مجرّد مصادفات تُفسَّر بطريقة عاطفية.
التخاطر في تاريخ الحضارات: من الأساطير إلى التجارب
عبر الأزمنة، ظهر التخاطر في ثقافات عديدة. ففي الحضارة الهندية، انتشر مفهوم القوة الذهنية المتجاوزة للحواس. بينما احتفظت الحضارات الشرقية بقصص حول الرهبان القادرين على قراءة حالات الآخرين النفسية. وبالتأكيد، فإنّ هذه الإشارات التاريخية لا تُعدّ أدلة علمية، لكنها تُظهر كيف أثّر التخاطر في الخيال البشري.
وإذ تنتقل حضارة إلى أخرى، يستمر المفهوم بالظهور بأشكال مختلفة، ما يدلّ على أنّ البشر، منذ القدم، حلموا دومًا بوسيلة اتصال أعمق وأسرع من الكلمات.
كيف يحاول العلم تفسير التخاطر؟
بالرغم من أن العلم الحديث لم يُثبت التخاطر العقلي بشكل قاطع، فإنّ هناك مقاربات تحاول تفسير الظاهرة دون إنكار التجارب الفردية.
ومن أبرز هذه المقاربات:
1. التعاطف العالي وتأثير المشاعر
يرى علماء النفس أنّ الأشخاص المقرّبين جدًّا يملكون قدرة على قراءة ملامح بعضهم وتوقّع ردودهم بدقّة لافتة. وبالتالي، حين يشعر أحدهم بأمر خطير أو حزين، يتطابق هذا الإحساس عند الآخر، فيبدو الأمر وكأنه تخاطر.
2. الإدراك الحدسي
الحدس يلعب دورًا مهمًّا، إذ يتراكم داخل العقل من خلال تفاصيل صغيرة، ومع الوقت تُبنى توقعات دقيقة. وهكذا، حين تطرأ مشكلة لأحد الأحبة، يكون الشخص الآخر مهيّأ ذهنيًّا لاستشعارها.
3. تفسير المصادفات بطريقة عاطفية
العقل يميل أحيانًا إلى البحث عن روابط بين الأحداث، ولذلك قد يعتبر الأشخاص تشابهًا عابرًا كأنّه تخاطر حقيقي. ومع أنّ هذا لا ينفي وجود تجارب محيرة، إلا أنّه يقدّم توضيحًا منطقيًّا نسبيًّا.
التخاطر بين التوأم: الحالة الأكثر غرابة
انتشرت شهادات كثيرة حول توائم شعروا بما يحدث لأشقائهم حتى قبل معرفته، وهي روايات تزيد من غموض الظاهرة. وبالتالي، يُنظر إلى التوأم كتجربة مثالية لدراسة التخاطر، لأن الرابط العاطفي والجيني بينهما قوي، ما يجعل الحالات أكثر إثارة للاهتمام.
ومع ذلك، لا توجد دراسة واحدة تؤكّد أنّ التخاطر بين التوأم أمرٌ مثبت علميًا. لكنّ كمية القصص والاختبارات غير الرسمية تجعل هذا المجال عصيًا على الإهمال.
التخاطر العاطفي: عندما تتواصل القلوب قبل الكلمات
يبدو التخاطر العاطفي الأكثر انتشارًا بين الناس، خصوصًا بين الأزواج والأصدقاء المقرّبين. ومع أنّ الكثيرين يروون تجارب مدهشة حول اشتراكهم في المشاعر في اللحظة نفسها، فإنّ العلم يفسّر ذلك من خلال قوة الروابط العاطفية.
ومع ذلك، فإنّ وجود انسجام فكري وروحي قد يجعل التخاطر العاطفي قريبًا من الواقع، على الأقل عند من يؤمنون بالطاقة أو الوعي الجمعي.
هل يمكن تعلم التخاطر؟
بينما تختلف الآراء، يرى البعض أنّ التخاطر مهارة يمكن تقويتها من خلال:
- التركيز العميق
- تهدئة العقل عبر التنفس
- رفع مستوى الانسجام مع شخص معين
- الانتباه للإشارات العاطفية الصغيرة
ومع أنّ هذا لا يمثل دليلًا علميًا، إلا أنّ الكثيرين يعتبرون تجربة التدريب مثيرة للاهتمام، خصوصًا مع تزايد المحتوى المرتبط بالطاقة والتأمل.
لماذا يتفاعل الناس مع فكرة التخاطر؟
لأنّ الفكرة نفسها تمنح شعورًا بالترابط العميق، خصوصًا في زمن يتّسع فيه الشعور بالوحدة. إذ يبدو وجود طريقة سرية للتواصل أقرب إلى حلم جميل. ولذلك، يستمر التخاطر في جذب ملايين القرّاء والمشاهدين، كما يُعدّ موضوعًا لا يموت في محركات البحث.
بين العلم والغموض: هل سنصل إلى إجابة؟
حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية. ومع ذلك، فإنّ التطور المستمر في علوم الدماغ والوعي قد يفتح الباب لفهمٍ أعمق للجوانب الخفية للعقل. ولذلك، يستمر التخاطر كظاهرة على حافة العلم، تجمع العقول الفضولية وتبقي باب الأسئلة مفتوحًا.
اقرأ أيضا:
أتلانتيس… الأرض التي مشت عليها أقدام الأنبياء الأوائل؟
نظرية الأرض المسطّحة: كيف يفسّر المؤمنون بها العالم من منظورهم الخاص؟








[…] […]
[…] […]
[…] […]