عمر الأمم بين اليهود والنصارى والمسلمين: فهم حديث «إنما بقاؤكم» بطريقة مبسّطة

منذ زمن بعيد والناس يتساءلون: لماذا تتعاقب الأمم؟ ولماذا يطول عمر أمة ويقصر عمر أخرى؟ وبينما يبحث البعض في التاريخ، يذهب آخرون إلى النصوص، خصوصًا النصوص التي تمنح المعنى وتفتح باب التأمل. ومن بين أهم هذه النصوص، ذلك الحديث النبوي الذي شبّه فيه الرسول ﷺ عمر أمته بعمر من سبقها من الأمم، وربط بين الأعمار وأوقات النهار بطريقة رمزية عجيبة تلفت الانتباه منذ اللحظة الأولى.

وبينما يبدو الحديث لأول وهلة مجرّد تشبيه، إلا أنّ إعادة قراءته تكشف صورة كاملة توضح حركة الرسالات كما تتحرك الشمس في السماء.

البداية من الحديث: مفاتيح الفهم

الفكرة كلها تنطلق من حديث النبي ﷺ حين قال:
«إنما بقاؤكم وأجلكم فيما بينكم وبين من سلف من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس»

وبهذا التشبيه، بدأ الباب يُفتح لفكرة تقسيم عمر الأمم الثلاث — اليهود والنصارى والمسلمون — على “نهار رمزي”.

ولأن النص يعتمد على تشبيه، كان على القارئ أن يفهم أولًا:
ما معنى النهار عند النبي ﷺ؟ و الغدوة؟ والبكرة؟ و نصف النهار؟

ما معنى النهار في كلام النبي ﷺ؟

النهار عند النبي ﷺ يبدأ من شروق الشمس وينتهي بغروبها. وهذا واضح من أحاديث كثيرة، منها خروجه ﷺ “غدوة” وهي أول النهار، وذكره “البكرة” وهي وقت مبكر بعد الشروق، وحديثه عن أوقات الصلاة المعروفة.

إذن، عندما تحدّث عن نصف النهار، فهو يتكلّم عن منتصف الفترة بين الشروق والظهر، وعندما ذكر صلاة العصر فهو يشير إلى بداية الجزء الأخير من النهار، وهو الوقت الذي يسبق الغروب.

وبذلك صار النهار في الحديث خريطة زمنية يمكن إسقاطها على عمر كل أمة.

كيف يقسم الحديث عمر الأمم؟

وفق هذا الفهم:

  • اليهود: من الشروق إلى نصف النهار.
  • النصارى: من نصف النهار إلى وقت العصر.
  • الإسلام: من صلاة العصر إلى المغرب.

بهذا الترتيب، يتعامل الحديث مع الأعمار كما يتعامل النهار مع الضوء.
فكما تتحرك الشمس من الشرق إلى الغرب، تتحرك الرسالات من أمة إلى أمة.

ولماذا اعتُمدت النسب بدل الساعات؟

لأن ساعات النهار تختلف باختلاف البلاد والفصول، ولأن المقصود بالحديث الرمز لا العدد، كان من الضروري الاعتماد على النسب.

وهنا تأتي المفاجأة:

عندما نراقب النهار في أغلب بقاع الأرض، نجد غالبًا أنّ:

  • الفترة من الشروق إلى منتصف النهار تساوي حوالي 56% من النهار.
  • والفترة من منتصف النهار إلى العصر تساوي تقريبًا 12%.
  • بينما الفترة من العصر إلى المغرب تساوي نحو 44% من النهار.

وبذلك يمكن القول — رمزيًا — إن:

  • اليهود = 56% من النهار.
  • النصارى = 56% من عمر اليهود.
  • الإسلام = 44% من عمر اليهود.

وبهذا تتشكل المعادلة الأولى لفهم “أعمار الأمم”.

النموذج يتحوّل إلى تاريخ

بعد تحديد النسب، تأتي الخطوة الثانية:
كيف تُسقط هذه النسب على التاريخ الفعلي؟

يبدأ النموذج من لحظة اكتمال الشريعة عند كل أمة:

  • اليهود عند اكتمال التوراة.
  • النصارى عند اكتمال الإنجيل.
  • المسلمون عند اكتمال القرآن.

ومع مراقبة تاريخ الأنبياء الكبار في بني إسرائيل، يُطرح عمر اليهود كتقدير تاريخي ثابت. وبعد تثبيت هذا الرقم، يُحسب عمر النصارى بنسبة 56% منه، ويُحسب عمر المسلمين بنسبة 44% منه.

وبذلك ينتقل الفكر من التشبيه إلى النموذج، ومن النموذج إلى الحساب الرمزي.

إضافة “نصف اليوم” التي تغيّر المشهد

مع التعمق أكثر في النصوص، يظهر حديث آخر يشير إلى أنّ أمّة الإسلام تحصل على “زيادة زمنية رمزية”، نصف يوم إضافي.

ومع أنّ النصف يبدو بسيطًا، إلا أنّه عندما يُسقط على النموذج يمنح الأمة الأخيرة امتدادًا كبيرًا في الزمن الرمزي، ويحوّل عمرها إلى مدة أطول من المتوقع وفق النسبة الأساسية فقط.

وهكذا تتوسع الصورة، ويبدو النهار وكأنه ليس مجرّد تقسيم لثلاث فترات، بل رمزًا لرحلة طويلة تتدرج فيها الرسالات.

هل يعني ذلك معرفة النهاية؟

بالطبع لا.
الفكرة رمزية، وليست تنجيمًا ولا ادعاء غيب.
لا أحد يعرف متى تنتهي أمة، ولا متى تقوم الساعة، لأن علم ذلك عند الله وحده.

لكن القيمة في هذا النموذج ليست في التنبّؤ، بل في الفهم.
إنه يقدّم طريقة ممتعة لتصوير التاريخ، ويحوّل حركة الشمس إلى درس في حركة الرسالات.

خلاصة الفكرة كما تُفهم للصغير والكبير

  • النهار يبدأ بشروق الشمس وينتهي بالمغرب.
  • عمر اليهود يشبه فترة الشروق حتى منتصف النهار.
  • أما النصارى يشبه فترة منتصف النهار حتى العصر.
  • و المسلمين يشبه فترة العصر حتى الغروب.
  • وتتحول الفترات إلى نسب، وتتحول النسب إلى نموذج رمزيّ يحكي قصة الأمم.
  • وتتحرك الرسالات كما يتحرك الضوء… من فجر إلى ظهر إلى عصر.
  • ثم ينتهي المشهد عند الغروب، ليكتمل النهار وتنتهي الدورة الرمزية للأمم.

إنها طريقة تجعل التاريخ حيًا، وتجعل الحديث النبوي كتابًا مفتوحًا يشرح حركة الزمن بكلمات قليلة، لكنها تحمل معاني كبيرة.

المقال السابق:

ألغاز ألواح الزمرد التي حملها النبي إدريس… علومٌ من زمن ما قبل الملوك