كيف قاد تحديث واحد في منصة «إكس» إلى هزة رقمية عالمية؟

مع بداية يوم عادي ظاهريًّا، أعلن إيلون ماسك عن تحديث تقني صغير داخل منصة «إكس». هذا التحديث بدا في شكله بسيطًا للغاية، ولكنه حمل داخله واحدة من أخطر المفاجآت التي شهدها العالم الرقمي منذ سنوات طويلة. وبسبب هذا التحديث، رأى ملايين المستخدمين حقيقة ما يجري خلف الستار، وشاهدوا بأعينهم كيف تعمل الجيوش الإلكترونية، ومن يديرها، وما الهدف الحقيقي من آلاف الحسابات التي تصنع الفتن والصراعات بين الشعوب.

بداية القصة: ميزة صغيرة… وتأثير هائل

قدّم ماسك خاصية تُمكّن المستخدم من رؤية الموقع الحقيقي للجهاز الذي يشغّل الحساب. لم يعتمد النظام على الموقع الذي يكتبه المستخدم بنفسه، بل على المكان الفعلي الذي يبثّ منه الجهاز اتصاله. ومن هنا بدأ كل شيء يتغير، لأن تلك الخاصية كشفت تناقضات ضخمة بين ما تكتبه الحسابات وما تظهره مواقعها الحقيقية.

وبمجرد أن بدأ المستخدمون في فحص الحسابات التي يتابعونها، ظهرت المفاجأة الكبرى: آلاف الحسابات التي تتحدث عن قضايا عربية، وتهاجم دولًا بعينها، وتستخدم لهجات محلية دقيقة، تعمل في الواقع من بلدان لا علاقة لها بما تدّعيه.

انكشاف الحسابات التي تهاجم الدول العربية

عند تتبع المواقع الحقيقية للحسابات الناشطة في الهجوم على مصر، ظهرت مواقع أجهزة تلك الحسابات في تركيا، بريطانيا، والإمارات. ثم ظهرت حسابات سعودية الشكل والهوية، بينما يديرها أشخاص في قطر وبريطانيا. وتدفّقت أدلّة أخرى على حسابات تعمل على إشعال الفتن بين المغرب والجزائر، بينما تنطلق من دول أوروبية لا علاقة لها بأي من الدولتين.

ومع استمرار البحث، ظهرت مفاجآت أكبر تتعلق بحسابات تدّعي أنها سورية وطنية، بينما تعمل من إسطنبول، بالإضافة إلى حسابات تحمل أسماء فتيات خليجيات تكتب رسائل مستفزة لإثارة الغضب، بينما يعمل أصحابها من بريطانيا.

الرابط المشترك بين 99% من الحسابات الوهمية

عند تحليل آلاف الحسابات التي تنشر خطابات كراهية ضد العرب، ظهر رابط واحد صادم للغاية:
جزء هائل من تلك الحسابات يُدار من داخل إسرائيل، وتحديدًا من الوحدة 8200 التابعة لجيش الاحتلال.

وهذه الوحدة تُعرف عالميًا بعملها في الحرب السيبرانية، وهي مسؤولة منذ سنوات عن حملات رقمية تستهدف الداخل العربي، وتهدف إلى تفتيت المجتمعات، وبثّ خطاب الكراهية، وزرع الفتن بين الشعوب.

وما زاد الصدمة هو انكشاف حسابات تحمل أسماء عربية مثل “عمر” أو “ريم” أو “سعودي أصيل”، بينما يديرها عناصر مدرَّبون على محاكاة اللهجات العربية بدقة، واستخدام اللغة بطريقة توهم القارئ أن الكاتب عربي حقيقي يعبّر عن غضبه أو رأيه الوطني.

مشروع كامل لتقسيم الشعوب العربية

مع اتضاح الصورة، فهم كثيرون أن ما يشاهدونه كل يوم ليس نقاشات طبيعية، ولا اختلافات رأي بين الشعوب، بل هو مشروع منظّم يعمل على خلق صراعات طائفية وعرقية وسياسية بين الدول العربية.

ومع وجود آلاف الحسابات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي على مدار الساعة، أصبح التضليل أكثر دقة. تلك الحسابات تكتب بأسلوب متقارب، وتنتج محتوى غاضبًا، وتحفّز المستخدم العربي على الشعور بأن بلده مكروهة، أو أن الشعوب العربية تكره بعضها بعضًا، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا.

الفضيحة لم تتوقف عند العالم العربي

مع تزايد الضجة، بدأ المستخدمون الأمريكيون يفحصون الحسابات السياسية المؤثرة على الجدل بين الجمهوريين والديمقراطيين. وكانت الصدمة مضاعفة، لأن الكثير من تلك الحسابات يعمل من روسيا، الهند، بنغلاديش، وإسرائيل أيضًا.
وأدى ذلك إلى نتائج خطيرة، لأن هذه الحسابات ضخّت على مدار سنوات محتوى يُشعل الخلافات السياسية داخل الولايات المتحدة.

اختفاء الخاصية خلال ساعة واحدة

بعد الانفجار الرقمي الذي تسببت فيه الميزة الجديدة، اختفت الخاصية خلال أقل من ساعة. أغلق «إكس» آلاف الحسابات، ثم أزال القدرة على رؤية الموقع الحقيقي. وهكذا لم يعد المستخدم قادرًا على متابعة تلك المعلومات. ولكن الضرر كان قد وقع، لأن الملايين شاهدوا الحقيقة قبل إخفائها.

علاقة إيلون ماسك بالرقابة الرقمية

قبل هذه الفضيحة بأيام قليلة، عطّل ماسك ميزة الترجمة الفورية من اللغة العبرية بعد أن كشفت ترجمات التويتات عن خطاب تحريضي خطير ضد الفلسطينيين داخل غزة. وهذا القرار أثار ضجة كبيرة، لأن الترجمة كشفت محتوى كان يمرّ دون رقابة، بينما تتعرّض الحسابات العربية المعبرة عن دعم فلسطين للحظر أو تقليل الوصول.

وتوضح تقارير صحفية دولية وجود موظفين سابقين من جيش الاحتلال داخل فرق الإشراف على المحتوى في «إكس»، وهذا يفسّر ميل المنصة إلى حماية خطاب معيّن، مقابل تقييد خطاب آخر.

ما الذي يعنيه هذا للعالم العربي؟

تكشف هذه الفضيحة حقيقة مهمة للغاية:
ما نراه على السوشيال ميديا ليس دائمًا انعكاسًا حقيقيًا للشعوب.
بل هو في كثير من الأحيان نتيجة عمليات منظمة، تُدار من غرف مغلقة، وتستهدف صناعة الفتن والعداوات بين العرب، بل وتعمل على تحطيم الثقة بين المواطن وبلده.

ومع أن كل هذا حدث على منصة واحدة هي «إكس»، إلا أن المنصات الأخرى مثل فيسبوك وإنستغرام وتطبيقات مشابهة قد تشهد عمليات أشد تعقيدًا.


الأسئلة الشائعة

1. هل تؤثر الجيوش الإلكترونية فعلًا على الرأي العام؟

نعم، تؤثر تأثيرًا كبيرًا، لأنها تصنع انطباعات خاطئة وتدفع المستخدم للانسياق خلف مشاعر توتر أو غضب غير حقيقية.

2. ما دور الوحدة 8200 في التضليل الرقمي؟

تعمل هذه الوحدة على إدارة حملات سيبرانية تستهدف الدول العربية، وتستخدم حسابات مزيفة لإثارة الفتن.

3. هل يشارك الذكاء الاصطناعي في صنع التضليل؟

نعم، تستخدم آلاف الحسابات أدوات ذكاء اصطناعي تكتب بلا توقف وتخلق وهمًا بأن هناك رأيًا جماهيريًا.

4. لماذا أخفى إيلون ماسك الميزة بعد ظهورها؟

أزال الميزة بعد موجة الفضائح، ربما لأنها كشفت معلومات حساسة لا يريد النظام إظهارها.

5. هل تختفي هذه الحملات مستقبلًا؟

لا تختفي، بل تتطور، ولذلك يحتاج المستخدم العربي إلى وعي أكبر خلال تفاعله مع المحتوى.


اقرأ أيضًا