عندما يتحدث الناس عن المدن الضائعة والحضارات الغامضة، تظهر مدينة ديرينكويو في تركيا كأحد أبرز الألغاز التي تحيّر الباحثين. فالمدينة تعتمد على شبكة أنفاق متداخلة تفتح الباب أمام أسئلة لا تنتهي: من بناها؟ ولماذا اختفى سكانها؟ وكيف استطاعت حضارة قديمة أن تشيد مدينة كاملة على عمق عشرات الأمتار تحت الأرض؟ وهنا يبدأ لغز مدينة الجن تحت الأرض، إذ يربط الكثير من الناس هذه العمارة المذهلة بكائنات غيبية، بينما يرى آخرون أنها تعود لحضارة شديدة التقدم تقنياً. وبين هذه النظريات المتصارعة، تظهر حقائق مذهلة تزيد من إثارة هذا الغموض.
مدخل إلى مدينة ديرينكويو تحت الأرض
توجد ديرينكويو في قلب كابادوكيا وسط الأناضول، وتضم أكثر من 18 طابقاً محفوراً بدقة في الصخور البركانية. ويصل عمقها إلى 85 متراً تقريباً، مما يجعلها واحدة من أعمق المدن المكتشفة. وعندما يتجول الباحثون فيها، يلاحظون التصميم الذكي الذي يسمح بعيش آلاف الناس تحت الأرض لسنوات دون الحاجة للخروج.
وبينما يدخل الزائر من المدخل الرئيسي، يجد أن الممرات تضيق وتشعبات الأنفاق تتكاثف، فيتولد شعور مباشر بأن المكان لم يكن مجرد ملجأ عابر، بل كان مدينة متكاملة تخفي أسراراً أعمق.
هندسة مذهلة تتحدى المنطق
عندما يدرس الخبراء هندسة ديرينكويو، يلاحظون تناسقاً معمارياً يستبعد فكرة العمل العشوائي. فالغرف تتوزع بشكل استراتيجي، وأنظمة التهوية تمتد عبر أعمدة طويلة يصل عددها إلى أكثر من 52 فتحة تهوية. هذا الرقم يثير الانبهار لأن تلك الفتحات توفر الهواء حتى لأعمق نقطة في المدينة.
وبالإضافة لذلك، استخدم البناؤون صخوراً قليلة الكثافة ليسهل نحتها، ولكنهم في الوقت ذاته نجحوا في جعلها صلبة بما يكفي لتتحمل وزن المدينة بكاملها. ويشرح هذا التصميم لماذا ينتشر اعتقاد يقول بأن مدينة ديرينكويو صُنعت بقدرات «غير بشرية».
بين أسطورة الجن والواقع التاريخي
يربط الناس لغز مدينة الجن تحت الأرض بأساطير تناقلتها الأجيال الأناضولية. وتقول إحداها إن الجن بنى هذه المدينة ليعيش فيها بعيداً عن البشر. ورغم أن الأسطورة تبدو خيالية، إلا أن شعبية الفكرة ازدادت بسبب العمق الهائل للأنفاق ودقتها.
وبينما يميل البعض إلى الرواية الأسطورية، يذهب عدد من الباحثين نحو تفسير عقلاني يشير إلى أن سكان المنطقة في العصور القديمة بنوا هذه المدينة كحصن ضد الغزاة. ومع ذلك، تظهر تفاصيل هندسية ترفع مستوى الشك: كيف نقل البناؤون ملايين الأطنان من الصخور؟ وكيف حافظوا على الاستقامة الهندسية دون أدوات قياس حديثة؟ هذه الأسئلة تجعل التفسير التقليدي أقل إقناعاً.
أنفاق ضخمة تكشف وجود حضارة منظمة
تضم ديرينكويو مدارس، إسطبلات، معاصر، مطابخ، وحتى مقابر. وهذا يعني أن سكانها خططوا لكل شيء قبل البدء في الحفر. ويكشف هذا التخطيط وجود حضارة منظمة ومتماسكة، وربما أكثر تقدماً مما نتوقع.
وبينما يتجول الباحثون في الأنفاق، يلاحظون نظام الأبواب الحجرية الدائرية التي يصل وزن بعضها إلى 500 كيلوغرام. وهذه الأبواب تعمل كحصون صغيرة داخل المدينة. ويشرح الباحثون أن حضارة تمتلك القدرة على نحت وتحريك أبواب بهذا الحجم تملك بالتأكيد معرفة هندسية متقدمة.
أسرار أعمق في الطابق الثامن عشر
كلما نزل الباحثون أعمق، زادت الأسرار غموضاً. ففي الطابق السابع عشر، تظهر غرف لا تزال مجهولة الوظيفة. وفي الطابق الأخير، عثر العلماء على فراغات كبيرة قد تكون قاعات اجتماعات أو معابد. ويظن بعض الباحثين أن الطابق الأخير احتوى أسراراً خاصة بطبقة محددة من السكان أو ربما شكل مركز قيادة للمدينة.
ولكن رغم كل الاكتشافات، يزداد الجدل يوماً بعد يوم حول الهدف من بناء هذه الطبقات. ويضيف هذا الجدل مزيداً من الإثارة على لغز ديرينكويو.
هل هرب السكان من خطر مجهول؟
توجد نظرية تقول إن سكان ديرينكويو واجهوا كارثة طبيعية أو حرباً غير متوقعة، مما دفعهم للنزول تحت الأرض. ويعتمد أصحاب هذه النظرية على الأدلة التي تشير إلى استخدام طويل الأمد لتلك الممرات. ومع ذلك، تظهر فترات انقطاع في الاستخدام، مما يعني أن السكان عادوا إلى السطح ثم اختفوا فجأة.
وبينما يناقش العلماء الأسباب المحتملة، يربط بعض المهتمين بالغموض هذه الاختفاءات بقصص «مخلوقات تحت الأرض» التي انتشرت في حضارات متعددة حول العالم. ويبدو هذا الربط غريباً، لكنه لا يقلّ إثارة عما نراه في الواقع.
التكنولوجيا القديمة التي تحيّر الباحثين
استخدم سكان ديرينكويو تقنيات تجعل المدينة قادرة على تخزين الطعام، وتنقية الهواء، وحتى التحكم في تدفق الماء. ويستخدم السكان قنوات تسمح للماء بالتحرك بشكل دقيق نحو الطوابق التي تحتاجه. ويعني هذا أنهم فهموا طبيعة الصخور من حيث امتصاص الماء ومدى مقاومتها.
وبالإضافة لذلك، استخدم البناؤون طرقاً تمنع الدخان من الانتشار داخل الأنفاق. ويظهر هذا النظام تقدماً تكنولوجياً لم نعهده في تلك الفترات التاريخية.
لماذا يسمّيها الناس مدينة الجن؟
عندما تتجمع كل هذه العناصر — العمق، الظلام، الأبواب العملاقة، الأنفاق الضيقة، والاختفاء الغريب — تتشكل صورة مدينة تبدو غير بشرية. ولذلك يعشق الناس تسميتها مدينة الجن تحت الأرض. ومع أنّ هذا اللقب يحمل طابعاً أسطورياً، إلا أنه يلخص الشعور الذي يراود كل شخص يدخل تلك الأنفاق لأول مرة.
وبينما يزداد الاهتمام بالسياحة الغامضة، تزداد شعبية ديرينكويو، لتصبح رمزاً من رموز الحضارات المفقودة.
الأسئلة الشائعة
هل توجد مدن أخرى مشابهة لديرينكويو؟
نعم، توجد عشرات المدن تحت الأرض في كابادوكيا، ولكن ديرينكويو تبقى الأكبر والأعمق حتى الآن.
من بنا مدينة ديرينكويو؟
يرجّح الباحثون أنها من إنشاء شعوب الأناضول القديمة، لكن تفاصيل عملية البناء لا تزال غامضة.
هل عاش الناس فعلاً لسنوات تحت الأرض؟
نعم، الأدلة تشير إلى أنهم عاشوا لفترات طويلة، خاصة أثناء الحروب أو الغزوات.
هل توجد دلائل على استخدام أدوات متقدمة؟
توجد دلائل على تقنيات دقيقة، ولكن لا توجد أدوات محفوظة حتى اليوم.
هل ما زال العلماء يكتشفون غرفاً جديدة؟
نعم، التنقيب لا يزال قائماً، ويكشف العلماء أجزاء جديدة بين الحين والآخر.







تعليقات (0)