شهد العصر الإسلامي الأول العديد من الفتوحات، وخاض الجيش المسلم مئات الحروب، كي يرفع راية الإسلام. لكن العجيب في الأمر أن يتحرك جيش كامل ويخرج خليفة المسلمين على رأسه نصرة لامرأة. فأي قوة كانت تمتلكها هذه المرأة؟  كي تحرك جيش أعظم إمبراطوريات الدنيا حينها؟ وهل يمكن أن يؤثر صوت واحد على جيش كامل في عصرنا الحالي؟ لنكتشف هذا عبر واحدة من أجمل وأمتع حكايات التاريخ الإسلامي.

بداية الحكاية

تصوير تاريخي يجسد بداية قصة وامعتصماه، يظهر مجموعة من المسلمين في زمن الصراع الإسلامي البيزنطي، مع امرأة مسلمة شجاعة بدت على ملامحها القوة والثبات رغم وقوعها في الأسر.

في القرون الأولى من دولة الإسلام، عاشت الدولة الإسلامية صراعات لا تنتهي مع جارتها الدولة البيزنطية. وكان الاستحواذ والنصرة غالباً للمسلمين. ومع ذلك لم يخلو الأمر من انتصارات طفيفة حققتها الدولة المعادية على الدولة الإسلامية. وذات مرة نجح البيزنطيون في أثر مجموعة من المسلمين بينهم امرأة شجاعة لا تخاف في الله لومة لائم.

صرخة امرأة وَمعتصماه

مشهد تعبيري قوي لامرأة مسلمة تصرخ بشجاعة في لحظة خالدة من قصة وامعتصماه، تعكس ملامحها الإيمان والثقة بالله رغم القهر والمعاناة.

في تلك العصور السالفة، لم يضاهي شيئاً سوء الأسر ووحشته. لاسيما إذا كنت بين أيدي الأعداء، في قفص كالحيوانات، يداك وقدماك مربوطتين.  تُعامل بازدراء، وتُحرم كثيراً من الطعام والشراب. هكذا كان قانون الأسر عند الكثيرين حينها. عندما أثر الأعداء بعض المسلمين، شاهدوا ملامح الغصب والثورة على وجه المرأة، وسألها أحد الجنود، لماذا لا تنادين على معتصمك؟ أرينا كي سينقذك من قبضة يدينا. حينها بشجاعة غير معهودة، صاحت المرأة ووجها ينظر إلى السماء وَمعتصماه. لم تكن تتوقع أن يصل صوتها، فقط عبرت عن مشاعرها دون تخطيط أو انتظار. كا ما تسلحت به ثقة عجيبة في وجه الله.

عندما لبّى المعتصم النداء

صورة فنية تاريخية تُجسد لحظة استجابة الخليفة العباسي المعتصم بالله لنداء المرأة في قصة وامعتصماه، حيث يظهر بهيبة القائد على رأس الجيش بروح حاسمة ومسؤولية عالية.

بسرعة غير معهودة عند الخلفاء، وبدون تفكير وتخطيط، انتفض الخليفة العباسي المعتصم بالله عندما وصله نداء المرأة. وحرك جيشاً عظيماً لحصار مدينة عمورية وإسقاطها إلى الأبد. كان قراراً سريعاً تملئه الثورة وشعور عالٍ بالمسؤولية. 

لماذا عمورية؟

مشهد ملحمي يعبر عن حصار مدينة عمورية، الحدث المفصلي في قصة وامعتصماه، حيث تظهر قوة التخطيط الإسلامي وأهمية المدينة الدينية لدى البيزنطيين دون مشاهد عنف مباشرة.

لم تكن قوة الجيش الإسلامي وقتها هي الميزة الوحيدة، بل ذكاء اختيار مكان الحصار، فمن المعروف أن عمورية أهم مدينة عند الدولة البيزنطية في ذلك الوقت، ليس من منطلق سياسي بل من منطلق ديني بحت، كأهمية مكة المكرمة عند المسلمين. لذلك نجاح المسلمين في حصار المدينة وإسقاطها زعزع العدو وهز ثقته لسنوات طويلة.

وصف الشاعر أبو تمام هذه المعقدة وصفاً جميلاً إذ قال:

هل لبيتُ النداء؟

لقطة مؤثرة تجمع بين الخليفة المعتصم بالله والمرأة المحررة بعد فتح عمورية، تجسد ذروة قصة وامعتصماه ومعنى النصرة والوفاء بالوعد في التاريخ الإسلامي.

نجح الجيش الإسلامي في حصار عمورية ثم إسقاطها. ويُقال أن بعد انتصار الجيش بحث الخليفة المعتصم بالله عن الأسرى بنفسه، وعندما قابل المرأة سألها: هل لبيتُ النداء؟

حقيقة قصة وَمعتصماه

قد يشكك البعض في حقيقة هذه القصة، لكنها ثابتة تاريخياً وإن اختلفت بعض التفاصيل، لا يمكن الاختلاف على أحداثها الأساسية. بالفعل استنجدت امرأة بالخلفية المعتصم بالله، وإثر ذلك حرك جيش المسلمين ونجح في إسقاط أهم رمز ديني عند البيزنطيين. أما الاختلاف على التفاصيل الأخرى، لا ينفي حقيقة هذا الحدث التاريخي الجلل.

ما لا تعرفه عن المُعتصم 

صورة فنية تحليلية تُبرز شخصية الخليفة العباسي المعتصم بالله كما تظهرها قصة وامعتصماه، قائد عسكري قوي الملامح يجمع بين الحزم والبساطة بعيدًا عن المثالية المطلقة.

إن الشخص الذي حرك جيشاً كاملاً لأجل امرأة، يثير الفضول ويستحق الاهتمام. لهذا من المثير جداً أن نتعرف على شخصية المعتصم ونفهم تكوين هذا الرجل.

قد يبدو خليفة عادل زاهد، لا يُخطىء أبداً. أما الحقيقة فلها وجوه أخرى. يعتبر المعتصم بالله واحد من أقوى خلفاء بني العباس، كان يتمتع بقوة عسكرية هائلة تُرهب أعدائه. ومع ذلك لم ينجح المعتصم بالله في دراسته، ولم يستطع الحصول على قدر عالٍ من التعليم، كما هو الحال عند خلفاء العباسيين.

ونذكر هنا موقفاً طريفاً جمع بين المعتصم بالله وأبيه هارون الرشيد. حين توفى صديق المعتصم وجاء هارون لتأدية واجب العزاء، وأثناء العزاء أخبر المعتصم أبيه، أنه يحسد صديقه الذي توفي، لأنه لن يذهب مرة أخرى إلى حلقات التعليم. فسأله هارون: أولهاذا الحد بلغ منك كره التعليم، أقسمت عليك بالله أن لن تذهب بعدها. ومنذ ذلك الحين لم يذهب المعتصم إلى حلقات العلم، وتفرغ للقتال والمهارات العسكرية. وقد  أبدع المعتصم في هذا الجانب وتفوق عن الجميع في هذا الأمر.

ومن المواقف الأخرى، التي تؤكد كره المعتصم للتعليم، مواجهته مع الإمام أحمد بن حنبل. ففي ذات مرة قال المعتصم للإمام: أنا لا أعرف، لماذا أنت في موضع اتهام، ولولا أن أخي المأمون هو من وضعك في السجن، لما كنت هنا. أما عني فلا أفهم الأمور التي تختلفون فيها.

هذه القصة تفرض علينا سؤالاً لا نستطيع الهرب منه، هل يمكن أن يتكرر هذا الموقف في عصرنا الحالي؟ تبدو الإجابة واضحة وقطعية. لذلك نحن بحاجة دائمة إلى تذكر مثل هذه المواقف العظيمة، والاعتزاز بها على الدوام. لنعلم أن تاريخنا الإسلامي مليء بالمواقف المضيئة، التي تترك في قلوبنا أثراً عظيماً، يشحننا بالطاقة والأمل على الدوام، مهما عانينا من صعوبات وعراقيل.

العودة إلى تاريخنا احتياج وليس اختيار، لاسيما عندما يكون الحاضر أليماً والمستقبل مجهولاً.


الأسئلة الشائعة

هل قصة صرخة «وامعتصماه» صحيحة تاريخيًا؟
نعم، تؤكد المصادر التاريخية وقوع الحادثة في أصلها العام، إذ استغاثت امرأة مسلمة بالخليفة العباسي المعتصم بالله بعد أسرها، فاستجاب لذلك وحرك جيشًا نحو عمورية. ورغم اختلاف الروايات في بعض التفاصيل الجزئية، فإن الحدث الأساسي ثابت ومعروف في كتب التاريخ.

لماذا اختار المعتصم مدينة عمورية تحديدًا؟
اختار المعتصم عمورية لأنها تمثل رمزًا دينيًا وسياسيًا بالغ الأهمية لدى البيزنطيين، وكانت بمثابة القلب الروحي والعسكري للدولة آنذاك. لذلك حمل سقوطها أثرًا نفسيًا ومعنويًا هائلًا تجاوز حدود النصر العسكري.

هل خرج المعتصم بجيش كامل من أجل امرأة واحدة فقط؟
تحرك الجيش نصرةً للمرأة، لكن القرار جسّد مبدأً أوسع يتمثل في حماية كرامة المسلمين وردّ الاعتداء، بغض النظر عن عدد المتضررين. لذلك مثّلت المرأة رمزًا للكرامة المنتهكة، وليس حالة فردية معزولة.

ما الذي يميز شخصية المعتصم بالله عن غيره من الخلفاء؟
تميّز المعتصم بقوة عسكرية صارمة وحضور ميداني واضح، مع بساطة في التكوين العلمي مقارنة بغيره من خلفاء بني العباس. ومع ذلك، نجح في إدارة الدولة بالقوة والانضباط، واعتمد على الحسم العسكري أكثر من الجدل الفكري.

هل يمكن أن يتكرر موقف مشابه في العصر الحديث؟
يصعب تكرار الحدث بذات الصورة في العصر الحديث بسبب اختلاف بنية الدول وطبيعة العلاقات الدولية. ومع ذلك، تبقى القصة رمزًا أخلاقيًا لقيمة العدل والمسؤولية، وتذكيرًا بقوة القرار حين يرتبط بالمبادئ.


اقرأ أيضًا

ألف ليلة وليلة: شهرزاد التي أنقذت حياتها بالحكاية
حكاية أسطورية تبدأ بخيانة، وتنتهي بذكاء امرأة غيّر مصير مملكة كاملة. يتتبع هذا المقال أصل كتاب ألف ليلة وليلة، وغموض مؤلفه، وأشهر قصصه مثل السندباد ومدينة النحاس، وكيف أصبح بوابة الشرق السحرية إلى خيال الغرب، مع مناقشة الأسطورة الغريبة التي تزعم أن من يُكمل قراءة الكتاب يموت.

الفرزدق وجرير: عندما تحوّل الهجاء إلى صداقة خفية
قصة أدبية فريدة تجمع بين أعنف خصمين في تاريخ الشعر العربي. يستعرض المقال معارك الهجاء بين الفرزدق وجرير، ويكشف الوجه الإنساني والأخلاقي لكلٍ منهما، من مواقف النبل والشهامة، إلى النهاية المؤثرة التي أثبتت أن العداوة لم تكن سوى قناع لصداقة عميقة.

العباسة وجعفر البرمكي: القصة التي أسقطت البرامكة
واحدة من أكثر الحكايات غموضًا في العصر العباسي، تجمع بين هارون الرشيد، وأخته العباسة، وصديقه جعفر البرمكي. يناقش المقال الرواية المثيرة حول الزواج الصوري والحب المحرّم، وعلاقتها بسقوط البرامكة المفاجئ، بين ما ثبته التاريخ وما بقي في دائرة الجدل والأسطورة.