الفيزياء الكلاسيكية كانت تخبرنا بأن العالم منظم، محكوم بقوانين ثابتة يمكن توقّعها. إذا رميت كرة فستقع، وإذا ضغطت زمبركًا فسيعود. لكنّ الفيزياء الكمّية، هذا الوحش الظريف، مزّقت تلك الصورة. فقد كشفت لنا أنّ الجسيمات الصغيرة — الإلكترونية والفوتونات — لا تتصرّف وفق قواعد العالم الكبير الذي نعيش فيه، بل لها منطق خاص… منطق يقترب من المزاج والاحتمال، لا من الحتميّة والقانون.

تجربة الشقّين جاءت كالصفعة العلمية التي أيقظت الجميع من نومهم. فهي لم تُظهر فقط أنّ الإلكترون قد يكون موجةً أو جسيمًا حسب الظروف، بل أظهرت كذلك أن مجرّد مراقبته يغير سلوكه. وهنا تبدأ القصة الغريبة.


التجربة: شقّان لا ثالث لهما… وسلوك لا تفسير له

تخيل لو أننا أحضرنا لوحًا معدنيًا فيه شقّان صغيران متوازيان، ووضعنا خلفه شاشة تسجّل ما يسقط عليها. ثم بدأنا نطلق الإلكترونات واحدًا تلو الآخر نحو الشقّين.

لو كان الإلكترون جسيمًا صلبًا — كما تتخيّله الفيزياء الكلاسيكية — فسنراه يمر من أحد الشقّين ثم يرتطم بالشاشة في موضع محدّد، فنحصل على نمط يشبه تجمّعات نقطية خلف كل شقّ: خطّان من النقاط تقريبًا.

لكن ما حدث لم يكن كذلك.

فعندما تُطلِق الإلكترونات دون مراقبة أيّ شق تعبر، فإنها ترسم على الشاشة نمطًا يُسمّى نمط التداخل، وهو شكلٌ يحدث عادةً عندما تمر موجات من الشقّين وتتداخل مع بعضها. كأن الإلكترون موجةٌ تنتشر، تعبر الشقّين معًا، وتتناثر بعدهما!

لحظة… إلكترون واحد يعبر الشقّين في نفس الوقت؟ نعم، هذا ليس خطأً مطبعيًا. هذا ما تقوله التجربة.


التداخل: الإلكترون يعيش حياة مزدوجة

كيف يحدث التداخل؟

عندما تمر موجة من الشقّين، تنقسم إلى موجتين أصغر، وكلّ موجة تحمل احتمال وجود الإلكترون. ثم تلتقي هاتان الموجتان خلف الشقّين، فتعزّز بعضهما في أماكن، وتلغي بعضهما في أماكن أخرى. وهكذا يظهر على الشاشة نمط يشبه أمواج البحر وقد طُبعت على الرمال.

لكن العجيب أنّ الإلكترونات تُطلَق واحدًا واحدًا. مع ذلك، وبعد آلاف الإلكترونات، يتكوّن نفس نمط التداخل. كأنّ كل إلكترون “يعرف” أين يجب أن تقع النقطة المناسبة في الصورة الكبيرة.

هذا يذهل العلماء إلى اليوم… لكنه ليس الجزء الأغرب.

الأغرب يحدث عندما نحاول التجسّس على الإلكترون.


المراقبة: حين تغضب الطبيعة وتقول “عُد إلى قانونك”

ماذا لو وضعنا جهازًا صغيرًا — كاميرا مثلاً — لنعرف بالضبط من أيّ شقّ يمر الإلكترون؟

هنا تتغيّر قواعد اللعبة تمامًا.

بمجرّد تشغيل جهاز المراقبة، يتصرّف الإلكترون فجأة كجسيم حقيقي، يمر من شق واحد فقط، ويختفي نمط التداخل تمامًا! وتظهر على الشاشة نقطتان واضحتان: واحدة خلف الشق الأول وأخرى خلف الشق الثاني.

وكأنه يقول لك: “لن أتصرف كموجة طالما أنك تراقبني.”

هذا ما يُسمّى انهيار دالة الموجة. وهو مصطلح فيزيائي يشير إلى أنّ الجسيم، عندما يُرصد، يضطر ليتخذ “قرارًا”: إمّا هنا أو هناك. أما قبل المراقبة فهو يعيش حالة احتمالات، موجةً من الإمكانات.

لكن لماذا يحصل هذا؟ لماذا يمنع النظرُ إليه تصرّفه الموجي؟

هنا ندخل المنطقة الغامضة التي لم يحسمها العلماء إلى الآن. النظريات كثيرة، لكنّ اليقين مفقود. ما نعرفه هو أنّ فعل القياس نفسه يغيّر الشيء المقاس. وهذا يذكّرنا بشيء بشري جدًا.


ما علاقة الإلكترون بالإنسان الذي يقلق حين يشعر أنّه مراقب؟

قد يبدو الربط بين التجربة الكمّية وسلوك الإنسان قفزةً جريئة، لكنّ الفكرة ليست بعيدة كما يظنّ البعض.

عندما يعلم الإنسان أنّ أحدهم يراقبه — ولو كاميرا مراقبة ساكنة — ينتقل ذهنه من حالة “الطبيعية” إلى حالة “الوعي بالذات”. وتبدأ سلسلة من التغيّرات: انشداد، توتر، ضبط للحركات، مراجعة للسلوك. يتحوّل من موجة احتمالات حرّة إلى “جسيم محدّد السلوك”.

هذا التحوّل ليس مجرد شعور نفسي، بل له جذور عصبية وهرمونية. الدماغ البشري يتفاعل مع المعرفة بوجود مراقب. ترتفع هرمونات اليقظة، يزداد نشاط الجهاز العصبي الودي، وتُشحذ الحواس.

لو فكّرنا في ذلك من زاوية رمزية، سنجد تشابها لطيفًا — وإن لم يكن علميًا بالكامل — بين ما يحدث في التجربة الكمّية وما يحدث في داخل الإنسان:

  • الإلكترون، حين لا يُراقَب، يعيش حالة احتمالية واسعة.
  • الإنسان، حين لا يُراقَب، يتصرف بحرية أكبر وبطرق لا يفكّر فيها كثيرًا.
  • الإلكترون، عند المراقبة، ينهار إلى “حالة واحدة محددة”.
  • الإنسان، عند المراقبة، يتقيد ويتحجّر سلوكه.

هل هذا يعني أن جذور السلوك الإنساني مرتبطة بميكانيكا الكمّ؟ لا يمكن الجزم بذلك. البيولوجيا والعمل العصبي أعقد بكثير. لكن إن كان كلّ شيء في الكون مبنيًّا في النهاية على الجسيمات ما دون الذرية، فمن الطبيعي أن تطرح سؤال:
هل يمكن أن يكون في داخلنا امتداد بعيد لذلك النمط الكمّي الغريب؟

ربما لا ينعكس هذا التشابه بشكل مباشر، لكن فكرة أنّ “المراقبة تغيّر النظام” ثابتة في كلا المستويين: مستوى الإلكترون، ومستوى الإنسان. فالملاحظة ليست عملاً محايدًا، بل هي قوّة تتدخل في السلوك.


التفسير العلمي: أين يقف العلماء من هذه الظاهرة؟

ليكن واضحًا: العلماء لا يقولون إن الإلكترون “يشعر” بالمراقبة. لا وعي هناك ولا أعصاب. ما يحدث هو أنّ جهاز القياس نفسه يتفاعل مع الجسيم، فيغيّر وضعه الفيزيائي. في عالم الجسيمات الدقيقة، أي تفاعل مهما صغر يُحدث اضطرابًا كبيرًا.

ومع ذلك، يظل السؤال الفلسفي قائمًا: هل “المعلومة” بحد ذاتها تؤثر؟ هل مجرد معرفة الطريق الذي سلكه الجسيم تكفي لتغيير الطبيعة؟

بعض النظريات تذهب بعيدًا، مثل تفسير كوبنهاغن، الذي يشير إلى أنّ الواقع ليس “محدّدًا” قبل أن نقيسه. وهناك تفسيرات أخرى تعتبر أن هناك أكوانًا متعددة تنشطر مع كل احتمال. لكنها تظل نظريات، وليست يقينًا.

أما المقارنة مع الإنسان فهي أكثر شاعرية ورمزية، لا علمية بالضرورة. لكنها تضفي بعدًا فلسفيًا:
نحن — مثل الإلكترون — نملك نمطين من الوجود: وجودًا حرًا داخليًا، ووجودًا ظاهرًا متقيدًا حين تسلّط علينا أعين الآخرين.


القياس والمراقبة: هل الكون يتغيّر حين ننظر إليه؟

قد تبدو فكرة “الوعي” المراقِب شيئًا بعيدًا، لكنّها جوهرية في النقاشات الكمّية. هل الواقع يحتاج إلى مراقب ليظهر شكله؟ هل الكون يتحدد فقط حين يُقاس؟ هذه الأسئلة تحوّلت من نقاشات فيزيائية إلى تأملات فلسفية.

أما بالنسبة للإنسان، فالمراقبة جزء من بنائه الاجتماعي. الإنسان كائن يتكيّف مع نظرات الآخرين، وكأن “دالة موجته الاجتماعية” تنهار كلما شعر بالعيون تتوجه إليه.


خاتمة: حينما يلتقي العلم بالإنسان في نقطة واحدة

تجربة الشقّين ليست مجرّد درس في الفيزياء. إنها صفعة توقظنا لتخبرنا بأن الواقع ليس بالبساطة التي نتصورها. الجسيمات الصغيرة التي تبني الكون ليست خاملة ولا تخضع لقوانين جامدة. إنها تنبض بالاحتمال والتغيّر والتفاعل مع كل ما حولها — حتى مع مجرد المراقبة.

والإنسان بدوره، كائن يعيش بين عالمين: عالم داخلي حرّ واسع، يشبه الأمواج؛ وعالم خارجي مراقب، يشبه الجسيمات المحدودة المسار. عندما يدرك أنّه تحت نظر أحدهم، يتغيّر. تمامًا كما يتغيّر الإلكترون حين نسلّط عليه عدسة قياس صغيرة.

هل هذا التشابه مصادفة؟ أم أنّ للكون إيقاعًا واحدًا يمتد من أصغر إلكترون إلى أوسع نفس بشرية؟

لا نملك الجواب القاطع… لكن المؤكد أنّ المراقبة — سواء في عالم الكمّ أو عالم البشر — ليست عملاً حياديًا. إنها قوّة تغيّر كل شيء.

اقرأ أيضا:

التخاطر العقلي: لغز الاتصال الخفي الذي حيّر العلم والناس

أصوات من العدم: التسجيلات التي لم يجد العلم لها تفسيراً

لغز الأجسام الطائرة المجهولة