حين زحفت ليليث: المرأة التي سرقت دور الحيّة

مدخل سريع إلى الفوضى الأولى

منذ أقدم العصور بقيت قصة آدم وحواء أساسًا لتصور البشر عن الخلق. ومع ذلك تغيّرت القصة كثيرًا حين انتقلت بين الحضارات. ولذلك ظهرت تفاصيل غريبة تعيد رسم شخصية “الحية”. ومع مرور الزمن نشأت تساؤلات جديدة حول أصل الكائن الذي أغوى آدم. وهكذا ظهرت فكرة مختلفة تمامًا تقول إن “الحية” لم تكن زاحفًا. بل كانت امرأة تحمل اسمًا مرعبًا: ليليث زوجة آدم الأولى

وفي الحقيقة، انتشرت الأسطورة داخل التراث اليهودي والمسيحي. ثم عبرت إلى تفسيرات قديمة ارتبطت بمرويات إسلامية. لذلك صار الموضوع شبكة ضخمة من الرموز والعقائد والأسرار. وهكذا استمر السؤال: هل كانت هناك امرأة سبقت حواء؟ وهل أخفتها الكتب الأولى عمدًا؟

البدايات: حين ظهرت المخطوطات التي قلبت الرواية

ظهرت عدة مخطوطات في أماكن متفرقة. وكانت تحمل قصة واحدة تقريبًا. ولذلك أثارت اهتمام الباحثين. وتحدثت المخطوطات عن “امرأة” وُجدت مع آدم منذ اللحظة الأولى. كما ذكرت أنها خرجت من القصة بسبب تمرد خطير.

ومع تحليل النصوص لاحظ الباحثون تقاطعًا كبيرًا بينها. ولذلك رأى بعضهم أن هذه المخطوطات امتداد لنصوص أقدم. وهكذا بدأ الاحتمال يتقوى. فربما وُجدت امرأة قبل حواء. وربما كانت هذه المرأة مفتاحًا لفهم الحية المتكلّمة في التوراة.

ليليث في التوراة: المفهوم الذي يربك الجميع

تشير بعض التفاسير إلى أن كلمة “الحية” في التوراة قد تكون لقبًا لامرأة. ولذلك ظهرت ليليث كمرشحة أولى لهذا الدور. ولهذا عندما تقارن النصوص التوراتية بالأساطير اليونانية يظهر لفظ “لاميا”. وهو اسم امرأة نصفها حية. ومع هذا الربط بدأت القصة تتضح. فالكثير من الثقافات المختلفة وصفت امرأة أسطورية بأنها ذات نصف سفلي يشبه الأفعى ومكر وسم الأفعة أيضا. ولذلك اشتهرت بقوة الإغواء والظلام.

وبينما ظهرت في بابل وسُميت “بلليل” في مصر، عرفها اليابانيون باسم “نيدونهانا”. ورغم اختلاف الأسماء حافظت الأساطير على صفات ثابتة. إذ بقيت امرأة جميلة، قوية، نصفها حية، وقادرة على الإغواء. وهذا التشابه يعزز فكرة وجود أصل آخر للبشر من ناحية الأم. وقد يكون هذا الأصل هو ليليث.

لماذا اختفت من سفر التكوين؟

يأتي هنا السؤال الأكثر إرباكًا. فإذا كانت شخصية ليليث واسعة الانتشار، فلماذا حُذفت من الرواية التوراتية الأساسية؟
يشير بعض الباحثين إلى أن كتبة التكوين قدّروا أن وجودها يربك سرد الخلق. ولذلك حوّلوا المرأة الأولى إلى رمز زاحف. وهكذا صارت “الحية” بدلًا من “ليليث”.

وتوجد قراءة أخرى أكثر تأثيرًا. إذ ترى أن ليليث رمز للتمرّد. ولذلك لم تناسب النموذج الذي يريده النص. وبسبب ذلك استُبعدت من القصة. وبقيت الحية وحدها.

تشابكات دينية عميقة

عند مقارنة الأساطير بالنصوص تتضح مفاجآت كثيرة. فبعض تفاصيل خروج آدم من الجنة متشابهة. وبعضها يشبه روايات اليهود عن ليليث. ولذلك رأى بعض الدارسين أن أصل القصة أقدم من التوراة.

ومع انتقال الحكاية بين الأمم تغيّرت أسماء الشخصيات. ومع ذلك بقيت نواة واحدة. فقد تحدثت النصوص عن “امرأة” لعبت دورًا كبيرًا في البداية. ثم اختفت من السرد فجأة.

القضية الغامضة: كيف تتكلم الحية؟

تذكر التوراة حية قادرة على الكلام. ومع ذلك تتعارض الفكرة مع منطق النصوص الأخرى. ولذلك رأى بعض المفسرين أنها ليست حية حقيقية. بل شخصية بشرية. ومع مرور الزمن تحولت إلى رمز زاحف.

ومع مقارنة ذلك بالأساطير ظهر تفسير أقوى. إذ تشير النصوص اليهودية إلى أن الحية لم تكن سوى ليليث زوجة آدم الأولى. ولذلك جاءت لتنتقم من آدم بسبب خلاف سابق.

العقل والمنطق: ماذا عن زواج أبناء آدم؟

تحدثت بعض الآراء القديمة عن إشكال عقلي. فإذا كان زواج المحارم مخالفًا للفطرة، فكيف بقي نسل آدم؟ ولذلك اقترح بعض الباحثين احتمال وجود امرأة أخرى. وهذا الرأي يجعل قصة ليليث منطقية. لأنه يقدّم بديلًا يفسر استمرار النسل دون مخالفة الفطرة البشرية الأولى.

ليليث زوجة آدم الأولى في التراث اليهودي: الوجه الأكثر قتامة

تذكر الكتب اليهودية القديمة أن ملاكًا زار آدم. وأعطاه كتابًا يحوي أسرار الخليقة. وظهرت فيه امرأة خُلقت معه لكنها رفضت الخضوع. وخرجت من الجنة. ثم اتحدت بقوة شيطانية. ولذلك تحولت إلى كيان خطير يهاجم الأطفال.

وتنتشر في التراث اليهودي تمائم تحمي الأطفال منها. ويُقال إنها تتجول ليلًا للبحث عن المواليد. ومع ربط هذه الروايات ببداية الخلق يظهر خط واضح. إذ اتخذت ليليث شكل الحية انتقامًا وغضبًا.

الحديث والآية: خط آخر في اللغز

تذكر بعض الروايات الإسلامية قصة تسمية أحد أبناء آدم. وتشير إلى أن الشيطان وسوس لحواء. وطلب منها أن تسمي اسم ابنها باسم “عبد الحارث”. وقال إن لم تسمه بهذا الإسم الاسم سيموت الطفل. وبالفعل كان اي طفل تلده يموت بطرق مختلفة. إلا أن سمت ابنها عبد الحارث فغاش. ومع ذلك تؤكد الرواية أن هذا الفعل كان “شرك طاعة” لا “شرك عبادة”. وأيضا تجعلنا هذه القصة نتسائل من أين عرف الشيطان أن أبناءها سيموتون إن لم تفعل ما يقول؟ ويتقاطع هذا مع الروايات اليهودية التي تتحدث عن ليليث قاتلة الأطفال. ومع الثقافات الأسطورية التي تستعيذ من ليليث التي يؤمنون أنها تقتل أطفال البشر. ولذلك ظهر الرأي الذي يقول إن الشيطان عرف السبب الحقيقي لموت الأطفال. وهو وجود ليليث.

ليليث في سفر إشعياء: الظهور الأخير

يذكر سفر إشعياء اسم ليليث في سياق الحديث عن الخراب. ويصفها كنَسْر ليلي مخيف. وهذا يؤكد أن الأسطورة سبقت سفر التكوين. ولذلك بقي الاسم، بينما اختفت التفاصيل.

الخلاصة: الأسطورة التي ترفض الموت

عند جمع النصوص والآثار تتكون صورة متماسكة. فقد ظهرت امرأة خُلقت قبل حواء. وارتبطت بالتمرّد. وانتشرت قصتها في الحضارات. ثم تحولت إلى حية في السرد. ومع مرور الزمن اندمجت الروايات اليهودية والمسيحية والإسلامية في شبكة واحدة. ومع ذلك بقيت ليليث شخصية غامضة تلاحق خيال البشر.

لذلك تبدو قصة آدم وحواء أكثر تعقيدًا مما تقدمه النصوص البسيطة. وربما كان خلف القصة امرأة أخرى. امرأة خرجت من الجنة. وعاشت في الظلال. وتحوّلت إلى واحدة من أعظم ألغاز بدايات البشر. ليليث زوجة آدم الأولى.

المقال السابق:

الأرض قبل البشر: حقائق غريبة تغيّر التاريخ الذي نعرفه

اقرأ أيضا:

أتلانتيس… الأرض التي مشت عليها أقدام الأنبياء الأوائل؟