لو كان الفرزدق وجرير في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لتابعهما اليوم ملايين من الجماهير، ولَتربّعوا على عرش المشاهدات. إذ إنها واحدة من أجمل وأطرف القصص في الأدب العربي. قصة بُنيت على عداوة كبيرة بين شاعري الهجاء العربي، الفرزدق والجرير، وقصائد هجاء لاذع، أمسى الجمهور يتابعها قصيدة تلو الأخرى. لكن المفاجأة أن عداوة الشاعرين ما كانت سوى غطاء لصداقة خفية، ربما تصل إلى حد التعود بل المحبة أحياناً. وهذا ما سَنوضحه في مقالتنا التالية، لنعي بعدها أن للعداوة آداب وللاختلاف قواعد، لا يجب أن نحيد عنها.

الفرزدق: رمز الثقة والاعتزاز

الفرزدق شاعر بني تميم رمز القوة والثقة في الشعر العربي

لم تخلُ مجالس العرب قديماً من التفاخر والمباهاة، لاسيما التفاخر بالنسب والأصل. فماذا لو كان المتفاخر شاعراً من أعرق بيوت بني تميم؟ إنه شاعر يتمتع بشعره القوي، الحاد واللاذع. فَالفرزدق لا يستطيع التوقف عند حد معين في قصائده، ولا يعرف التجمل أو الوسطية. إنما عُرف بحدة قصائده التي تخيف خصومه وتجعلهم يعجزون عن الرد. لذلك كان يتجنبه الشعراء سلامةً من لسانه وكلامه الموجع القاسي. ولعل ما جعل قصائده تتمتع بقدر كبير من الثقة والاعتزاز نشأته التي عاش يعتز بها ويتباهى بها على خصمه جرير. جرير الشخص الوحيد الذي دخل معركة شعرية قاسية أمام الفرزدق، واستطاع أن يصمد أمامه بل وينتصر أحياناً عليه. وهنا بالتحديد اقترنت الأسماء ببعضها، وخلدها تاريخ الأدب العربي بسطور من الظرافة واللطافة. سطور أدخلت السرور والمرح على القلوب.

الوجه الآخر للفرزدق

الفرزدق في مكة يجسد النبل والموقف الأخلاقي

قد يبدو الفرزدق في الوهلة الأولى حاداً قاسي الطباع، لا يعرف شفقة ولا رحمة لمن يقع تحت لسانه ويصبح محور قصائده، فقد اقترن بالهجاء اللاذع دون توقف أو تمهل. لكن للحكاية وجوهاً أخرى، إذ أن شاعر الهجاء قرر في يوم ما التوبة عن الهجاء، وذهب للحج بهذه النية. لولا أن ألح قومه عليه بأن يعود ويهاجم من يتجرأ على بني تميم. وفي رحلة الحج نرى مشهداً نبيلاً للفرزدق يختلف عن صورته النمطية التي عُرف بها.

في مكة وأمام الكعبة تجاهل الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك زين العابدين علي بن الحسين، عندما ادّعى أنه لا يعرف من ذاك. وهنا أبدى الفرزدق موقفاً عجيباً، يتناقض مع كونه شاعر البلاط الأموي بالدرجة الأولى. وانطلق لسانه بشعر جميل يردده الأدباء حتى يومنا هذا. حينها ألقى الفرزدق أبياتاً تعكس موقفه النبيل وانقياده وراء الحق مهما كلفه الأمر.

وعندما سمع زين العابدين هذه الأبيات، أرسل المال إلى الفرزدق شاكراً له قوله وموقفه. وللمرة الثانية يتصرف الفرزدق بنبل، ويُرجع المال إلى زين العابدين، قائلاً له: لم أقل الأبيات لغرض المال. لكن زين العابدين أصر على موقفه وأرجع المال للفرزدق، إذ أن عطية أهل البيت لا تُرد. ألقت هذه الأبيات بالسجن لقائلها لا محالة، والعجيب في الأمر أن من توسط في البلاط الأموي لإخراج الفرزدق من السجن خصمه الأكبر وعدوه الظاهر جرير.

جرير: ينقذ عدوه من ورطة

جرير الشاعر خفيف الظل محبوب الناس

لا عجب أن يكون جرير على مستوى خصمه من الأخلاق. فقد توسط لإخراج الفرزدق من السجن عند الأمويين. كيف هذا وهو خصمه الأوحد؟ كيف هذا وجرير مصدر هجاء دائم للفرزدق؟ لا يكل ولا يمل حتى يقول أبياتاً تهجوه ليلاً نهاراً. لا عجب في ذلك، تلك أخلاق الخصام، وهكذا كانت علاقة جرير والفرزدق، علاقة لا نستطيع تحديدها ورسم معالمها. 

جرير الشاعر الرقيق خفيف الظل

مبارزة شعرية بين جرير والفرزدق

يعتقد البعض أن الفرزدق أقوى شعراً من جرير. لكن هذا غير صحيح كلياً، فإذا كان الفرزدق ينتصر دائماً على جرير، لم تكن لهذه المعركة الشعرية الطاحنة أن تستمر طويلاً. إذ تميز جريراً بخفة ظله وسرعة بديهته، كما أن شعره كان مقبولاً جداً بين الناس. يستطيعون حفظه وتناقله بكل سهولة. لذلك كان جرير مصدراً لقلق الفرزدق، فهذا الذي سن سيف لسانه على الجميع، كان يخشى من كلمات خصمه جرير، الذي لا ينقد نقداً لاذعاً وحاداً، لكنه نقداً يدخل القلوب ويضحك الناس.

كيف انتهت الحكاية؟

الفرزدق يرثي جرير بعد وفاته

مات جرير وانتهت حكايته، لكن حكاية الخصمين الصديقين لم تنتهِ بعد. وعلى عكس المتوقع حزن الفرزدق على جرير حزناً كبيراً، ولأول مرة يذكر مناقبه في شعره، فقد رثاه في أبيات مؤثرة تدخل القلوب حتى يومنا هذا. والأعجب أن الفرزدق لحق جريراً بعد أسابيع قليلة، وكأن لا يصلح أن يبقى اسم الفرزدق وحيداً دون اسم صديقه جرير. وكأنها قصة صداقة لا عداوة، ربما غلفتها أبيات هجاء قاصية. لكن هذه العداوة لم تصمد أمام مواقف نبيلة من الطرفين. ربما تعلمنا هذه المواقف كيف نختلف؟ ومتى نفصل الاختلاف في العمل عن حياتنا الشخصية؟ وأن الشماتة ليست من شيم الرجال.

خلافنا سنة كونية، لكن كيفية الاختلاف، هذا ما يجب علينا تعلمه. لذلك تبرز قصة الفرزدق وجرير كواحدة من أجمل قصص الاختلاف، قصة يموت فيها الخصم بعد موت خصمه بأسابيع محدودة، لتنتهي قصة أشهر ثنائي عرفه تاريخنا العربي.


الأسئلة الشائعة حول قصة الفرزدق وجرير

هل كانت عداوة الفرزدق وجرير حقيقية أم مفتعلة؟
لم تكن العداوة بين الفرزدق وجرير عداوة مطلقة كما قد توحي قصائد الهجاء. صحيح أن التنافس كان شرسًا ومعلنًا، لكن المواقف الإنسانية المتبادلة تكشف عن علاقة أعمق، فيها اعتياد واحترام متبادل، بل وصداقة خفية غلّفها الهجاء لأسباب أدبية واجتماعية.

لماذا اشتهر هجاء الفرزدق وجرير دون غيرهما من شعراء عصرهما؟
اشتهرا لأن الهجاء بينهما جمع بين قوة اللغة، وسرعة الرد، واستمرارية المعركة الشعرية لسنوات طويلة. كما أن الجمهور كان يتابع هذا الصراع وكأنه قصة متسلسلة، قصيدة ترد على أخرى، مما رسّخ اسميهما كثنائي لا ينفصل في الذاكرة الأدبية.

ما الذي ميّز أسلوب الفرزدق عن أسلوب جرير؟
تميّز الفرزدق بقوة اللفظ والاعتزاز بالنسب والفخر بالقبيلة، فجاء شعره صلبًا مباشرًا وقاسيًا أحيانًا. في المقابل، اعتمد جرير على السلاسة وخفة الظل وسرعة البديهة، فجعل هجاءه قريبًا من الناس وأسهل تداولًا وحفظًا.

كيف تكشف حادثة زين العابدين عن الوجه الآخر للفرزدق؟
تُظهر هذه الحادثة أن الفرزدق لم يكن شاعر هجاء فقط، بل كان صاحب موقف أخلاقي واضح. فقد انحاز للحق أمام الكعبة، رغم قربه من البلاط الأموي، وضحّى بحريته حين قال الشعر دفاعًا عن زين العابدين، مما يبرز شجاعة نادرة في زمن حساس.

ما الدرس الأبرز الذي تقدمه قصة الفرزدق وجرير اليوم؟
تقدم القصة درسًا عميقًا في أخلاقيات الاختلاف. فهي تؤكد أن الصراع الفكري أو المهني لا يجب أن يلغي القيم الإنسانية، وأن الخصومة لا تمنع المواقف النبيلة، كما حدث حين أنقذ جرير خصمه الفرزدق من السجن.


اقرأ أيضًا

أسطورة هارون الرشيد مع أخته وصديقه: حكاية عشق انتهت بكارثة
حكاية غامضة من بلاط الخلافة العباسية تمتزج فيها الصداقة بالحب والسلطة، وتنتهي بسقوطٍ مدوٍّ غيّر مجرى التاريخ.

كتاب يقتل قارئه: ما سر ألف ليلة وليلة الذي لم يُكشف حتى الآن؟
بوابة سحرية إلى عالم ألف ليلة وليلة، حيث تختلط الخيانة بالحكمة، وتصبح الحكاية وسيلة للنجاة وتغيير المصير.

أعجوبة القعقاع بن عمرو: الفارس الذي دوّى صوته كألف مقاتل
من الصوت الذي يشعل المعنويات إلى القائد الذي لا يُهزم، تعرف على أسطورة القعقاع بن عمرو.