حضارة سبأ: إرثٌ عريق يتلألأ في جنوب الجزيرة

تتربع حضارة سبأ على واحدة من أقدم قمم المجد في جنوب الجزيرة العربية، إذ ترك السبئيون بصمتهم العميقة على مسار التجارة الدولية، وعلى فنون العمارة، وعلى نمط الحكم الذي جمع بين القوة والثراء والتنظيم المحكم. ولأن سبأ لم تزدهر صدفة، فإن أهلها شيّدوا أسس حضارة مزدهرة اعتمدت على الزراعة المتقنة، وعلى نظم ريّ مبتكرة، وعلى إدارة سياسية متوازنة قادتها نخبة تمتلك رؤية واضحة لمستقبل المملكة. وهكذا شقّ اسم سبأ طريقه عبر الأزمنة، وجذب الممالك المجاورة مثل فارس والروم والحبشة.

ومن خلال تتبع آثارهم، تظهر ملامح مدينة مأرب القديمة التي احتضنت السد العظيم، وتحوّلت إلى محطة أساسية في طريق البخور الذي ربط جنوب الجزيرة بالشام ومصر. كما سجّل السبئيون حضورهم في المراسلات الدولية، وفي النقوش التي وثّقت عقد التحالفات، وجمع الضرائب، وتنظيم شؤون الجيش. وإضافة إلى ذلك، أبدعوا في الفنون الحجرية والمعابد الواسعة، ما منح المملكة حضورًا لافتًا في خرائط الحضارة القديمة.

الملكة بلقيس: شخصية تتجاوز حدود الأسطورة

نسبها ومكانتها السياسية

برز اسم الملكة بلقيس بوصفها واحدة من أكثر النساء تأثيرًا في تاريخ العرب قبل الإسلام. تروي المصادر أنها حكمت سبأ بمهارة سياسية، وأنها جمعت بين الحكمة والدهاء والقدرة على توجيه المملكة نحو الازدهار. وبفضل ثقتها العالية بنفسها، قادت بلادها في حقبة كانت القوة فيها معيار الاحترام، فوسّعت التحالفات، وأشرفت على نظم التجارة، وفرضت احترامها على الساحة الدولية.

بلاطها وثراء مملكتها

شهد بلاط بلقيس حركة سياسية نشطة، إذ توافد إليه القادة والرسل والمسافرون الذين حملوا أخبار الممالك البعيدة. كما استقبلت بلقيس الهدايا النفيسة التي وصلت من الشام ومصر لتهيئة علاقات سياسية مدروسة. كذلك اعتنت الملكة بمشاريع الريّ، ودعمت توسيع الحقول الزراعية، ما جعل مملكتها تستقطب التجار من جميع اتجاهات الجزيرة. ومن خلال هذه السياسة الحكيمة، ارتفع شأن سبأ وامتلأت خزائنها بالذهب والعطور والأحجار الكريمة.

ذكاء الملكة ورجاحة عقلها

عُرفت بلقيس بحدة الذكاء، إذ درست أوضاع مملكتها بدقة، وربطت بين قوة الاقتصاد واستقرار الحكم، وأدركت أن حماية السدّ العملاق في مأرب تعني ضمان استمرار الازدهار. ومن هنا، أصدرت أوامرها للصناع والعاملين في مجالات الريّ بتعزيز أساسات السد وتنظيم المياه الموسمية. كما جمعت بين الصرامة واللين، فحافظت على مكانتها السياسية دون أن تفقد احترام شعبها.


لقاء بلقيس بسيدنا سليمان: انعطافة روحية عظيمة

بداية القصة

أرسلت بلقيس رسلها إلى سيدنا سليمان عليه السلام عندما وصلها خبره، فأرسلت معهدا من الهدايا الثرية بهدف اختبار حكمته ومكانته. وعندما وصل الرسل إلى سليمان، أعاد الهدايا إليهم، وأرسل رسالة صريحة يدعو فيها بلقيس إلى ترك عبادة الشمس والدخول في التوحيد. وعندها أدركت الملكة حجم السلطان الذي يمتلكه هذا النبي الملك، فبدأت تفكر جديًا في التوجه إلى بيت المقدس لمعرفة حقيقة الدعوة.

وصولها إلى مجلس سليمان

سافرت بلقيس برفقة حاشيتها، وعبرت الصحارى والجبال حتى وصلت إلى مجلس سليمان عليه السلام. وخلال هذه الرحلة الطويلة، تابعت أخبار جنود سليمان الذين يمتلكون علمًا وقوة تفوق قدرات البشر، فامتلأ قلبها بالرهبة والإعجاب معًا. وعندما دخلت القصر، رأت عرشها مسبوقًا إليها، فازدادت دهشتها، لكنها بقيت ثابتة لِما تمتلكه من قوة شخصية ولباقة.

عندما دخلت الملكة بلقيس قصر سليمان عليه السلام، رأت الأرض كأنها لجة ماء. ولذلك رفعت ثوبها وكشفت عن ساقيها حتى لا يلامس الماء، ثم ظهر لها أن الأرض ليست ماءً بل صرحًا ممَرّدًا من زجاج في غاية الإتقان.

ومن خلال هذه اللمحة القرآنية، يتبيّن أن بلقيس امتلكت حسًا عاليا بالحشمة والوقار، وذلك يظهر من خلال جملة “وكشفت عن ساقيها”، إذ أن ذلك يعني أنها كانت مستترة حتى لقدميها وحتى قبل أن تتعرّف على التوحيد، مما يدل على نقاء فطرتها، واستعداد قلبها لتلقّي دعوة الحق.


إسلام بلقيس ودخولها عهدًا جديدًا

إعلانها الحقّ

بعدما أدركت عظمة ما رأت، وبعدما استمعت إلى دعوة سليمان عليه السلام، أعلنت إيمانها الخالص وقالت كما ورد في القرآن الكريم:
“ربِّ إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.”
وبهذه الكلمات، دخلت عهدًا جديدًا من الطاعة، وابتعدت عن عبادة الشمس التي ورثها قومها منذ أزمان بعيدة. كما أظهرت حنكتها السياسية، إذ أدركت أن القوة الحقيقية ليست في العرش والذهب، بل في قدرة الله والتي تجلت لها في ملك النبي سليمان.

أثر إسلامها على مملكتها

بعدما عادت بلقيس إلى سبأ، حملت معها نور التوحيد، فغيّرت كثيرًا من المفاهيم الدينية لدى شعبها. كما عززت علاقتها مع سليمان عليه السلام، وفتحت مسارًا جديدًا من التعاون الديني والسياسي بين المملكتين. بهذه الخطوة، ارتقى تاريخ سبأ إلى مرحلة جديدة، وازدادت مكانة بلقيس في كتب التراث والتاريخ.


إرث بلقيس وحضارة سبأ في الذاكرة العربية

تمثل بلقيس رمزًا للقيادة الحكيمة التي تجمع بين الرؤية والدهاء والاحتشام، بينما تمثل سبأ نموذجًا حضاريًا لا يزال حاضرًا في المخيلة العربية. كما تخلّد القصص القرآنية مكانة هذه الملكة التي قادت أمة قوية، ثم خضعت للحق بعدما أدركته بعقل واعٍ وفطرة طاهرة.

ومن خلال تتبع إرثها الضخم، يدرك القارئ أن حضارة سبأ لا تزال تمدّ التاريخ بشواهد القوة والازدهار، وأن قصة بلقيس تشكل محطة من أهم محطات التاريخ العربي القديم، لأنها جمعت بين السياسة والحكمة والإيمان، وربطت الجنوب العربي بقصة من أجمل قصص الأنبياء.

وبذلك يكتمل مشهد حضارة سبأ في عظمة ملوكها، وفي روعة سدودها، وفي حكمة بلقيس التي اعتلت العرش بذكاء، ثم اتجهت إلى الحق بقلب منفتح، فتركت إرثًا لا يمحوه الزمن.

اقرأ أيضا:

أتلانتيس… الأرض التي مشت عليها أقدام الأنبياء الأوائل؟

حضارة عاد الأولى: قصة أمة عملاقة اندثرت بين الرمال

الإمبراطورية المغولية: صعود العاصفة التي أعادت تشكيل العالم