في اللحظات التي ظنّ فيها الاحتلال أنّه يخفي أسراره وراء جدران قواعده الخرسانية وأسلاكه الشائكة، كانت الحقيقة تخرج إليه من شاشة هاتف جندي مراهق يرقص على “تيك توك”. وبرغم محاولات الرقابة العسكرية لإغلاق كل نافذة محتملة للتسريب، تحوّلت السوشيال ميديا إلى أخطر جهاز تجسس عرفته المنطقة. ومع أنّ القصة تبدو أقرب إلى سيناريو فيلم تجسس، إلّا أنّها حدثت فعليًا، خطوةً بخطوة، منذ عام 2018.

جهاز ظلّي يراقب 100 ألف جندي

بدأت الحكاية عندما أنشأت المقاومة جهازًا متخصصًا يضم 2500 عنصر مهمتهم تتبّع كلّ ما ينشره جنود الاحتلال على منصّات التواصل. ومن خلال هذا الجهد الضخم، بدأ الفريق يجمع صورًا ومقاطع قصيرة وتحديثات يومية يظنّ الجنود أنها “عادية”، بينما كانت تبني خريطة استخبارية دقيقة لا يمكن لأي قمر صناعي صناعتها.

ولأنّ التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق دائمًا، جمع الفريق آلاف المنشورات من “إنستغرام” و“تيك توك” و“فيسبوك”، وبدأ يحوّل كل تفصيلة عابرة إلى قطعة من لوحة أكبر. ومع مرور الوقت، ظهرت شبكة معلومات هندسية وتكتيكية بالغة التعقيد.

كيف تحوّلت الصور التافهة إلى مادة استخبارية؟

بينما كان الجنود يتباهون بصور “السيلفي” داخل القواعد، حلّل الجهاز كل شيء:

  • خلفية الصورة كشفت الأبواب الخلفية للمنشآت.
  • زوايا التصوير كشفت أماكن الكاميرات.
  • مقاطع الرقص أظهرت أماكن تدريب قوة الرد السريع.
  • صور فخر الجنود داخل الدبابات كشفت لوحة التشغيل من الداخل.

وهكذا، ومع كل منشور جديد، تعمّق فهم المقاومة لتركيبة الجيش وقدرته ومناطقه الحسّاسة. وبمرور الوقت، شكّلوا ما يشبه “ملفًا سرّيًا” لأخطر المعدات العسكرية، وخصوصًا دبابة ميركافا 4 التي يصفها الاحتلال بـ“فخر الصناعة العسكرية”.

من المعرفة إلى الفعل: غرفة المحاكاة السرّية

وفي المرحلة التالية، لم تكتفِ المقاومة بالتجميع والتحليل؛ بل انتقلت إلى التطبيق العملي. ولأن التدريب الواقعي يحتاج إلى بيئة مطابقة للواقع، اشترت الحركة برنامج محاكاة ثلاثي الأبعاد 1:1 وبنت نماذج واقعية لنقاط الحدود. ثم استخدمت نظارات واقع افتراضي لتدريب العناصر على سيناريوهات دقيقة كأنّهم يقفون داخل القاعدة نفسها.

ومع التقدّم الذي حققته هذه المنصّات، أصبح المقاتل يدخل ميدانًا اصطناعيًا يحاكي بدقة كل صخرة، وكل زاوية، وحتى أصوات الأجهزة داخل الدبابة. ومع استمرار التدريب، اكتسب المقاتل معرفة تشغيلية تعادل – بل تتفوّق – على خبرة طاقم الدبابة نفسه.

زرّ التعطيل… اللغز الذي حيّر الخبراء

ورغم كل ما حدث، بقي لغز واحد يربك محللي الاحتلال لأشهر طويلة. كيف عطّل مقاتلو المقاومة دبابات ميركافا 4 بلمسة واحدة؟ وكيف عرفوا مكان زرّ سرّي لا يعرفه سوى أطقم التشغيل المدربة؟

بعد صمت طويل، جاء الاعتراف من إذاعة الجيش:
الجنود هم الذين كشفوا السرّ من حيث لا يدرون. فقد التقط فريق المقاومة مقاطع وصورًا نشرها الجنود أظهرت لحظات تشغيل حقيقية داخل الدبابات، وتضمنت لقطات قصيرة لزرّ التعطيل… لقطات لم تلاحظها الرقابة إنما لاحظها المحللون.

وهكذا، تسبّبت السوشيال ميديا في كشف معلومةٍ عجزت أقوى أجهزة الاستخبارات عن انتزاعها.

محاولة سحب الدبابات إلى داخل القطاع

ومع اندلاع معارك 7 أكتوبر، ظهرت النتيجة الصادمة:
المقاتلون تعاملوا مع الدبابات والقواعد كأنّهم بنوها بأيديهم. وعندما حاولوا سحب دبابات كاملة إلى داخل القطاع، أدرك الجيش أنّه لم يواجه “مجموعات بدائية”، بل واجه منظومة معرفة هندسية وتكتيكية وتقنية تطوّرت بصمت لسنوات.

ومن هنا، تغيّرت “عقيدة التقدير” لدى الاحتلال؛ لأن العدو الذي كانوا يستهينون به عرف كل شيء عنهم… وأكثر مما يعرفون هم عن أنفسهم.

ماذا لو امتلكت هذه العقول دعمًا أكبر؟

ومع كل هذه التفاصيل، يبرز سؤال مفصلي:
إذا كانت هذه النتيجة قد خرجت من تحليل منشورات السوشيال ميديا فقط، فكيف سيكون الحال لو امتلكت هذه العقول إمكانيات دولة كاملة؟ أو منظومات بحثية ضخمة؟

الإجابة واضحة: المعرفة تتحوّل إلى قوة، والقوة تصنع واقعًا جديدًا.

وبينما يبقى الاحتلال منشغلًا بالرقابة الأمنية “من الأعلى”، تستمر المقاومة في بناء ذكاء تشغيلي يعتمد على الإنسان والتفصيل والبيانات المفتوحة… ذكاء يستطيع قلب الموازين في لحظة.


الأسئلة الشائعة

1. كيف تمكّنت المقاومة من مراقبة 100 ألف جندي؟

أنشأت جهازًا ضخمًا يضم آلاف المحللين الذين تتبّعوا منشورات الجنود على مختلف المنصّات، ودمجوا البيانات في قاعدة معلومات مشتركة.

2. لماذا لم يكتشف الاحتلال هذه العملية مبكرًا؟

ركزت الرقابة العسكرية على الوثائق الرسمية وتسريبات الإعلام، بينما تجاهلت “المحتوى الشخصي” الذي نشره الجنود بشكل يومي.

3. كيف حصلت المقاومة على تفاصيل تشغيل الميركافا من الداخل؟

استخرجت البيانات من صور وفيديوهات نشرها الجنود أنفسهم دون قصد، وظهر فيها جزء من لوحة التشغيل.

4. لماذا استخدمت المقاومة الواقع الافتراضي؟

لأن التدريب في بيئة مطابقة للواقع يمنح المقاتل قدرة تشخيص وتحرك دقيقة جدًا، مما يزيد فعاليته في الاشتباك.

5. هل ما حدث يمكن اعتباره أكبر فشل استخباري في تاريخ الاحتلال؟

نعم، لأن الاحتلال اكتشف أن “عدوه البدائي” تفوّق عليه في مجال يعتبره جوهر قوّته: الاستخبارات.


اقرأ أيضًا

من قندهار بدأت الشرارة: الحكاية الحقيقية لولادة حركة طالبان

فضيحة التحديث الذي كشف أكبر شبكة لجان إلكترونية في العالم

سرّ النهار المفقود: كيف يكشف حديث واحد عمرَ اليهود والنصارى والمسلمين؟