حين يعود الباحثون إلى خريف 1994، يجدون أن قندهار كانت تغلي مثل قدرٍ فقد غطاءه. الميليشيات تقاسمت الشوارع، والناس عاشوا بين خوفٍ ثقيل وصمتٍ أثقل، بينما صار السلاح هو القانون الوحيد. وسط هذا المشهد المتصدّع، ظهرت قصة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها أعادت رسم تاريخ أفغانستان كله لاحقًا.
صرخة أب… وبداية التحوّل
في إحدى قرى قندهار، اعتدى قائد ميليشيا يُدعى صالح على أهل القرية، وخطف فتاتين في مشهد هزّ ما تبقّى من كرامة الناس. لم يقترب أحد منه، لأن رجاله انتشروا مثل ظلٍّ أسود فوق أبناء القرى، ولأن دبابته وحدها كانت كافية لإسكات أي اعتراض.
ومع ذلك، قرر الأب المنكسر أن يطرق باب رجلٍ لم يكن يملك جيشًا، ولا ميليشيا، ولا قوة سياسية… رجلٍ لم يملك إلا ثقة داخلية في العدالة: المُلّا محمد عمر.
دخل الأب وقال جملة واحدة حملت وزنًا أثقل من الرصاص:
«يا مُلّا… بناتي بين يديهم… أليس لك كلمة عند الله؟»
هذه اللحظة صارت حجر الأساس. الملا عمر، المعلّم الفقير ذو العين الواحدة، نظر إلى الرجال والقرى حوله، ثم قرر أن الظلم لن ينتظر غدًا ليُكسر.
ثلاثون طالبًا… وبداية حركة
جمع الملا عمر ثلاثين من طلابه.
لا خبرة، لا تدريب، لا مركبات، لا تجهيزات، فقط بنادق قديمة وبعض الذخيرة. ومع ذلك، حملوا شيئًا أثمن من كل هذا: قناعة أنه يجب أن يقف أحدٌ في وجه الفوضى.
تحركوا في الليل ونفذوا هجومًا مباغتًا على مقر الميليشيا. سقط صالح ورجال من مجموعته، واستعاد الطلاب الفتاتين، ثم استولوا على دبابة كانت رمزًا لرعب المنطقة. وقف الملا عمر فوقها وقال عبارته التي تحولت لاحقًا إلى رمز:
«اليوم أقمنا حدًا من حدود الله.»
من عملية صغيرة… إلى حركة كبرى
من هنا تغيّر المشهد. انتشر الخبر مثل نارٍ في هشيم القرى الأفغانية. بدأ الناس يتقدّمون إلى الملا عمر، يحملون شكواهم من الميليشيات. ثم بدأت مجموعات صغيرة من طلبة العلم تتجمع حوله. ومع كل خطوة، صار الاسم يكبر… الطلبة، ثم طالبان.
بمرور الشهور، توسّعت الحركة بسرعة بسبب ثلاثة عوامل رئيسية:
1. رغبة المجتمع في الأمن
أفغانستان عاشت سنوات من الحرب الأهلية، والناس تعبوا من الفوضى. طالبان وعدوا — ثم حاولوا — فرض نظام صارم ينهي سيطرة أمراء الحرب.
2. قيادة دينية ذات تأثير
الملا عمر لم يكن سياسيًا، بل كان رمزًا روحيًا. كثير من الشباب رأوه نموذجًا للتضحية والاستقامة، فاختاروا حمل السلاح تحت رايته.
3. دعم بعض القوى الإقليمية
مع صعود طالبان، بدأت أطراف خارجية ترى فيها قوة يمكن أن تضبط أفغانستان، خصوصًا في مواجهة أمراء الحرب الذين فشلوا في الاتفاق على أي دولة موحدة.
صعود الحركة إلى الحكم (1996 – 2001)
مع توسّع نفوذ طالبان، سيطروا على العاصمة كابول عام 1996، وأعلنوا قيام إمارة أفغانستان الإسلامية. ركّزت الحركة على فرض قوانين دينية صارمة، ومنع الفساد، وتأمين الطرق التي طالما خاف منها الناس.
مع ذلك، واجهت الحركة انتقادات عالمية بسبب سياساتها الاجتماعية الشديدة، ودورها في إيواء تنظيمات مسلّحة. انتهى حكمها الأول عام 2001 بعد التدخّل العسكري الأمريكي.
عودة طالبان للمشهد من جديد
بعد عشرين عامًا من الصراع، تفاوضت الحركة مع الولايات المتحدة، ثم دخلت كابول عام 2021 وسيطرت على البلاد مرة أخرى. ومع عودتها للحكم، بدأت تظهر أسئلة كبيرة:
هل تغيّرت الحركة؟
هل ستعيد إنتاج الماضي؟
أم ستسعى لبناء صورة مختلفة تناسب مرحلة جديدة؟
حتى اليوم، يتابع العالم تحركات طالبان بدقة، بينما يحاول الأفغان التكيّف مع واقع جديد يواصل رسم طريقه بين التعقيد والتغيرات السياسية.
لماذا تُعد قصة البداية مهمة؟
لأنها تكشف سرًا جوهريًا:
طالبان لم تبدأ كحركة سياسية، بل ظهرت كردّ فعل شعبي على الفوضى. ظهرت من مدرسة دينية فقيرة، ومن قناعة بأن القرى تحتاج إلى من يحميها من الميليشيات. ومع مرور الوقت، تحولت الفكرة الصغيرة إلى مشروع دولة كاملة.
ورغم الجدل الكبير حول الحركة، إلا أن فهم بدايتها يساعد القارئ على فهم المشهد الأفغاني اليوم: بلد يحاول الخروج من تاريخ طويل من الحروب، بينما تتغير توازنات القوى داخله باستمرار.
الأسئلة الشائعة
1. لماذا تأسست حركة طالبان أساسًا؟
الحركة ظهرت كردّ فعل على الفوضى واعتداءات الميليشيات خلال الحرب الأهلية في التسعينيات، وليس كمشروع سياسي جاهز.
2. هل كان الملا عمر يمتلك خلفية عسكرية؟
لا، الملا عمر كان معلمًا للقرآن، وينتمي إلى مدرسة دينية بسيطة، لكنه اكتسب نفوذًا روحيًا كبيرًا.
3. كيف توسّعت الحركة بسرعة؟
توسّعت بسبب رغبة الناس في الأمن، وغياب سلطة مركزية قوية، إضافة إلى التحاق الشباب بهم من القرى.
4. هل تغيّرت طالبان بعد 2021؟
الحركة تقول إنها تغيّرت، لكن الواقع مختلف من منطقة إلى أخرى، ومازال الجدل قائمًا حول مدى تحولها الحقيقي.
5. لماذا تقسم طالبان الشارع العالمي؟
لأنها تجمع بين صورتين: صورة من ينهي الفوضى داخليًا، وصورة من يفرض سياسات مثيرة للجدل خارجيًا.







[…] […]